العودة إلى دفتر الرحلات

الرقص الشرقي والأنثروبولوجيا: لقاء بين الجسد والثقافة والمقاومة

مقدمة

الرقص الشرقي، الذي يُعرف أيضًا برقص البطن، فن عريق انتقل عبر فضاءات جغرافية ورمزية وسياسية متعددة. وهو يتجاوز العرض المسرحي أو النشاط الترفيهي، ليكون لغة جسدية متجذرة في الثقافات التي نشأ فيها. ومن منظور أنثروبولوجي، يتيح الرقص الشرقي مدخلًا ثريًّا لاستكشاف العلاقات بين الجسد والنوع الاجتماعي والهوية والتقاليد والسلطة.

الأصول وانتقال الثقافة

يصعب تحديد الأصول الدقيقة للرقص الشرقي، لأنها تتداخل مع ممارسات طقسية قديمة واحتفالات جماعية وأشكال تعبير نسائية توارثتها الأجيال. ففي بلدان مثل مصر ولبنان وتركيا، كان الرقص تاريخيًّا جزءًا من طقوس الخصوبة والأعراس والاحتفالات الدينية وغير الدينية. وتبحث الأنثروبولوجيا كيف تستمر هذه الرقصات عبر الزمن، وكيف تتكيف وتكتسب معاني جديدة في المدن ومجتمعات المهجر وفي عالم تسوده العولمة.

الجسد بوصفه فضاءً ثقافيًّا

تدعونا أنثروبولوجيا الجسد إلى النظر إليه بوصفه بناءً اجتماعيًّا وثقافيًّا، وليس كيانًا بيولوجيًّا فحسب. وفي الرقص الشرقي، يصبح الجسد أرشيفًا حيًّا للذاكرة الجماعية والمشاعر والمعرفة النسائية. ففي كل تموّج أو اهتزاز أو حركة للورك طبقات من المعنى تعكس رؤى للعالم وأدوارًا اجتماعية وتفاوضًا على الهوية.

النوع الاجتماعي والسلطة والوصم

رغم أن أشكالًا تقليدية كثيرة من الرقص الشرقي نشأت في فضاءات نسائية تقوم على الألفة والدعم المتبادل، فإن انتقالها إلى المجال العام والمسرح أثار توترات. وقد أسهم اختزال الجسد الأنثوي في دلالاته الجنسية والمحظورات الدينية والإرث الاستعماري في وصم الرقص الشرقي في بعض السياقات. ومن منظور نقدي، يمكن فهم الرقص أداةً للتمكين، وكذلك ساحةً رمزية للصراع على التحكم في الجسد.

ومع انتشار الرقص الشرقي في أوروبا والأمريكتين وآسيا وأوقيانوسيا، تبرز أسئلة أنثروبولوجية جديدة. كيف يتغير حين يُدرَّس في استوديوهات غربية؟ وماذا يحدث حين يمارسه أشخاص غير عرب؟ هل هو استحواذ ثقافي أم تبادل؟ يصبح الرقص مساحة للقاء، وللتوتر أيضًا بين الثقافات والرؤى الجمالية وخطابات الهوية.

الرقص أداةً للتعليم والبحث

يمكن أن يكون الرقص الشرقي منهجًا في البحث الأنثروبولوجي. فالحركة وورش العمل والملاحظة بالمشاركة تتيح الوصول إلى معارف مجسّدة لا تعبّر عنها الكتابة الأكاديمية دائمًا. كما يصبح تعليم الرقص وسيلة لتبادل المعرفة وبناء مجتمع ومراجعة العلاقات الهرمية بين الباحثين والمشاركين.

الرقص والمقاومة والتعافي

في سياقات متعددة، أُعيد تبنّي الرقص الشرقي بوصفه ممارسة للتعافي والمقاومة واستعادة الصلة بالأنوثة، ولا سيما بين مجموعات النساء ومجتمعات الميم وفي سياقات ما بعد الاستعمار. فالرقص استعادة للذاكرة، ومطالبة بالمساحة، وتضميد للجراح، وإعادة كتابة للحكايات. وهكذا تعترف الأنثروبولوجيا بقدرة الرقص على إحداث التحوّل، لا بوصفه تمثيلًا فحسب، بل فعلًا سياسيًّا أيضًا.

لماذا نتحدث عن المقاومة؟

يتجاوز الرقص الشرقي جماله الفني، إذ يحمل قدرة قوية على تحدّي السائد. ومن منظور أنثروبولوجي نقدي للإرث الاستعماري، يصبح فعل مقاومة بطرق متعددة:

1. مقاومة التحكم في جسد المرأة

تعلّمت النساء تاريخيًّا تقييد أجسادهن وكبت حسّهن الجسدي. ويكسر الرقص الشرقي هذا القالب، إذ يضع البطن والوركين ومتعة الحركة في المركز. فتغدو ممارسة الرقص استعادةً للجسد وتحدّيًا للمعايير الأبوية.

2. مقاومة الوصم والرقابة

في مجتمعات كثيرة، جرى اختزال الرقص الشرقي في دلالات جنسية أو تهميشه أو منعه. وممارسته وإظهاره وسيلة لاستعادة مكانته فنًّا عريقًا وقيمته الرمزية والثقافية.

3. مقاومة الاستحواذ الثقافي والنظرة الاستشراقية

كثيرًا ما اختزل التاريخ الاستعماري وبعض اتجاهات «رقص البطن» الغربية هذا الفن في صور نمطية استشراقية. أما الرقص بوعي تاريخي اليوم، فيقاوم هذا التبسيط ويحترم الجذور ويتجنب الاستحواذ المنفصل عن السياق.

4. المقاومة من خلال تنوّع الأجساد

حين يمارس الرقص الشرقي أفراد من مجتمع الميم، أو رجال، أو راقصون ذوو أجساد متنوعة، فإنهم يتحدّون المعايير التقليدية للنوع الاجتماعي والجمال والأهلية الجسدية. ويصبح الرقص تعبيرًا ظاهرًا عن الحرية.

5. المقاومة العاطفية

في سياقات الصدمة أو الهجرة أو الإقصاء، يصبح الرقص وسيلة للتعافي والقدرة على الصمود. وهو طريقة لمقاومة النسيان والألم والصمت.

تأملات أخيرة

يتشارك الرقص الشرقي والأنثروبولوجيا الاهتمام بالمعاني الكامنة وراء الإيماءات والطقوس وأشكال التعبير الثقافي. ويدعونا كلاهما إلى تجاوز الظاهر، والإصغاء إلى الأجساد وفهم الحكايات التي ترويها بلا كلمات. وفي عالم يحتاج إلى مزيد من التعاطف والتواصل، يشكل الرقص ودراسة الجسد الراقص سبيلًا عميقًا إلى اللقاء الإنساني.

✍️ عن الكاتبة

فيرونيكا بافون ياسير راقصة رحّالة وباحثة في الأنثروبولوجيا، متخصصة في ثقافة الجسد والرقص وأشكال التعبير عن الهوية. سافرت عبر آسيا وأوروبا وأوقيانوسيا، واستخدمت الرقص الشرقي جسرًا بين الثقافات. وتقدّم حاليًّا دروسًا عبر الإنترنت وعروضًا مباشرة وموارد تعليمية للراقصين ومحبي الحركة.